أحمد زكي صفوت
108
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
ظهرت ، فعلم أن ذلك واقع ، وأن بلادهم ستخرب ، فكتم ذلك وأخفاء ، وأجمع على بيع كل شيء له بأرض مأرب « 1 » وأن يخرج منها هو وولده « 2 » ، فخرج ثم أرسل اللّه تعالى على السد « 3 » السيل فهدمه . ( شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص 98 ) * * *
--> ( 1 ) مأرب : مدينة باليمن ، وكانت في الزمان الأول قاعدة التبابعة ، وهي مدينة بلقيس ، بينها وبين صنعاء نحو أربع مراحل ، وتسمى سبأ باسم بانيها سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان . ( 2 ) وقد خشي أن يستنكر الناس عليه ذلك ، فأمر أحد أولاده إذا دعاه لما يدعوه إليه أن يتأبى عليه ، وأن يفعل ذلك به في الملأ من الناس ، وإذا لطمه ، يرفع هو يده ويلطمه ، ثم صنع طعاما وبعث إلى أهل مأرب أن عمرا صنع يوم مجد وذكر ، فاحضروا طعامه . فلما جلس الناس للطعام جلس عنده ابنه الذي أمره بما أمر ؛ فجعل يأمره بأمور فيتأبى عليه وينهاه فلا ينتهى ، فرفع عمرو يده فلطمه على وجهه فلطمه ابنه ؛ وكان اسمه ملكا ، فصاح عمرو وا ذلاه يوم فخر عمرو يهيجه صبي ويضرب وجهه ، وحلف ليقتلنه ، فلم يزالوا بعمرو يرغبون إليه حتى تركه ، فقال : واللّه لا أقيم بموضع صنع بي فيه هذا : ولأبيعن أموالي حتى لا يرث منها بعدى شيئا ، فقال الناس بعضهم لبعض : اغتنموا غضب عمرو واشتروا منه أمواله قبل أن يرضى فابتاع الناس منه كل أمواله التي بأرض مأرب ، وفشا بعض حديثه فيما بلغه من شأن سيل العرم ، فقام ناس من الأزد فباعوا أموالهم ، فلما أكثروا البيع استنكر للناس ذلك فأمسكوا أيديهم عن الشراء ، ولما اجتمعت إلى عمرو أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم ، ولما خرج عمرو من اليمن خرج لخروجه منها بشر كثير ، فنزلوا أرض عك فحاربتهم عك . فارتحلوا عنها ، ثم اصطلحوا وبقوا بها حتى مات عمرو بن عامر ، وتفرقوا على البلاد ، فمنهم من صار إلى الشام ، وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر ، ومنهم من صار إلى يثرب ، وهم ابنا قيلة الأوس والخزرج ، وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، وصارت أزد الشراة إلى أرض الشراة ؛ وأزد عمان إلى عمان ، وصار ملك ابن فهم إلى العراق ، ثم خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن طيئ فنزلت جبلى طيئ أجأ وسلمى ، ونزلت ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر تهامة ، وسموا خزاعة لانخزاعهم من إخوانهم وتمزقوا في البلاد كل ممزق . ( 3 ) كان السد فيما يذكر قد بناه لقمان الأكبر بن عاد ، وكان رصفه لحجارة السد بالرصاص والحديد ويقال إن الذي بناه كان من ملوك حمير ، وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من الشحر وأودية اليمن ، فردموا ردما بين جبلين وحبسوا الماء ، وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض ، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث ، فأخصبوا وكثرت أموالهم ، فلما كذبوا رسولهم أرسل اللّه عليهم سيل العرم